الميرزا فتاح الشهيدي التبريزي

424

حاشية المكاسب

العدالة في كلام الشارع وأهل الشرع يراد بها : الاستقامة ، لكنّ الاستقامة المطلقة في نظر الشارع هو الاستقامة على جادّة الشرع وعدم الميل عنها ، وإن قلنا بأنّها منقولة من الأعمّ إلى الأخصّ ، لكن نقول : إنّ المتبادر منها الاستقامة من جهة الدين لا من جهة العادات الملحوظة عند الناس حسنا أو قبيحا . وغاية ما يمكن أن يستدلّ لاعتبارها في الدالة المستعملة في كلام الشارع صحيحة ابن أبي يعفور ، ومحلّ الدلالة يمكن أن يكون فقرات منها ، الأولى : قوله : « بأن يعرفوه بالستر » على أن يكون المراد منه ستر العيوب الشرعيّة والعرفيّة . الثانية : قوله عليه السّلام : « وكفّ البطن والفرج واليد واللسان » بناء على أنّ منافيات المروّة غالبا من شهوات الجوارح . الثالثة : قوله عليه السّلام : « والدالّ على ذلك كلّه أن يكون ساترا لعيوبه . . . » . وقد تمسّك بكلّ واحد من هذه الفقرات بعض ممّن عاصرناهم . وفي الكلّ نظر ، أمّا الفقرة الأولى : فلمّا عرفت سابقا من المراد بالستر ليس هو الستر الفعلي ، وإنّما يراد به صفة مرادفة للعفاف - كما سمعت من الصحاح - ، كيف وقد جعل ستر العيوب بعد ذلك دليلا على العدالة ، فليزم اتّحاد الدليل والمدلول ، مضافا إلى أنّ المتبادر من الستر : تعلّقه بالعيوب الشرعيّة دون العرفيّة ، فلا يفيد حذف المتعلّق العموم . وبهذا يجاب عن الفقرة الثانية ، فإنّ الظاهر من كفّ الجوارح الأربع كفّها عن معاصيها لا مطلق ما تشتهيها . وأمّا الفقرة الثالثة ، ففيها أوّلا : أنّ المتبادر من « العيوب » هي ما تقدّم في الفقرة السابقة ممّا اخذ تركها في مفهوم العدالة ، لا مطلق النقائص في الكبائر والصغائر والمكروهات المنافية للمروّة ، وإلّا لزم تخصيص الأكثر ، إذ الكبائر ومنافيات المروّة في جنب غيرهما - الذي لا يعتبر في العدالة تركها ( 5731 ) ولا في طريقها سترها - كالقطرة في جنب البحر ، فلا بدّ من حمله على المعه‌د المتقدّم في الفقرات السابقة ، فكأنّ الامام عليه السّلام لّما عرّف العدالة بملكة الكفّ والتعفّف عن الكبائر جعل سترها عند المعاشرة والمخالطة طريقا إليها .